من سلطة الظهور إلى سلطة الأثر

 

منذ انتخابه رئيسا للجمهورية سنة 2019 قدم محمد ولد الشيخ الغزواني نموذجا مختلفا في ممارسة السلطة داخل سياق إقليمي ودولي يتسم بالاستقطاب الحاد ، وتسارع الأزمات وتآكل الثقة في الدولة لم يكن هذا النموذج قائما على الخطاب المرتفع أو القطيعة الجذرية بل على منطق التراكم الهادئ وضبط الإيقاع وإعادة الاعتبار لوظيفة الدولة باعتبارها إطارا جامعا لا أداة صراع .

سياسيا جاءت تجربة غزواني امتدادا واعيا لمرحلة الانتقال السلمي لكنها لم تتوقف عند حد ضمان الاستقرار ، بل سعت إلى تحويله من حالة ظرفية إلى خيار استراتيجي فتم اعتماد مقاربة تقوم على تخفيف منسوب التوتر والانفتاح على المعارضة واحترام منطق المؤسسات مع الابتعاد عن الشخصنة والصدام وقد شكل هذا النهج عنصر تمايز في محيط إفريقي وعربي غالبًا ما تُدار فيه السلطة بمنطق الغلبة لا التوازن .

أما على مستوى الحكامة فقد برزت إرادة إصلاحية جادة و متواصلة شملت مسارا وطنيا لإصلاح العدالة وتعزيز دور القانون وتحسين صورة الحريات العامة خصوصا في المجال الإعلامي ورغم بطء بعض التحولات فإن القيمة السياسية لهذه المقاربة تكمن في كونها تأسيسية لا استعراضية وتراهن على بناء الثقة بدل استهلاكها .

في البعد الاجتماعي انتقلت الدولة خلال هذه المرحلة من خطاب العدالة الاجتماعية إلى سياسات ملموسة عبر توسيع شبكات الحماية الاجتماعية واستهداف الفئات الأكثر هشاشة ببرامج تحويل نقدي وتأمين صحي إلى جانب عناية خاصة بقطاع التعليم والموارد البشرية هذا التحول لا يمكن فصله عن رؤية ترى في الاستقرار الاجتماعي شرطًا للأمن السياسي وفي الإنسان محورا للتنمية .

اقتصاديا ، سعى إلى تثبيت المؤشرات الكلية وتعزيز الثقة فشهدت البلاد نموًا ملحوظا وتراجعا في الدين العام بالتوازي مع إصلاحات مالية ونقدية أشادت بها المؤسسات الدولية وفي الأفق تتهيأ موريتانيا لدخول مرحلة جديدة مع مشاريع الغاز والطاقة بما تحمله من فرص استثمارية ومسؤوليات في الحوكمة وتوزيع العوائد .

خارجيا اتسمت الدبلوماسية الموريتانية بالهدوء والبراغماتية مع تنويع الشراكات وتعزيز الحضور القاري ، خصوصا خلال تولي موريتانيا رئاسة الاتحاد الإفريقي وقد مكن هذا الموقع البلاد من لعب دور الوسيط المتزن وترسيخ صورتها كدولة استقرار في فضاء يعاني من هشاشة متزايدة .

ختاما لا يمكن قراءة حصيلة السنوات الماضية بمنطق الشعارات بل بمنطق التراكم الهادئ  انتقال مستقر سياسات اجتماعية ملموسة ، إصلاحات مؤسسية واستعداد محسوب لمرحلة اقتصادية واعدة وهي تجربة تقاس بقدرتها على الاستمرار وتعميق الأثر أكثر مما تقاس بضجيج الخطاب .