#رأي_حر | أحمد محمد فال أحمد محمد يكتب: شعرة معاوية بين السبورة والوزارة..
***
نشرت معالي وزيرة التربية وإصلاح النظام التعليمي بيتين من الشعر يقولان:
«أيها الناقدُ أعمالَ الورى
هل أريتَ الناسَ ماذا تعملُ؟
لا تقل عن عملٍ: ذا ناقصٌ
جئ بأوفى، ثم قل: ذا أكملُ»
فتوقفت عندهما قليلا، لا لأنني من أصحاب التصفيق التلقائي لكل ما يصدر عن الوزارة، ولا لأنني من محترفي الاعتراض الدائم على كل ما يصدر عنها، بل لأنني وجدت فيهما سؤالا يستحق التأمل: هل أصبحنا نجيد النقد أكثر مما نجيد تقديم الحلول؟
والحق أن معالي الوزيرة أصابت جانبا مهما من الحقيقة، فقد أصبح لدينا جيش جرار من خبراء التعليم الموسميين. يكفي هاتف مشحون، وحساب على وسائل التواصل، وكأس شاي ساخن، ليولد خبير استراتيجي جديد في المناهج والتخطيط التربوي وإدارة الموارد البشرية.
أما إذا سألته عن خطة عملية أو بديل قابل للتطبيق، فإنه يدخل في صمت عميق، كأنك طلبت منه حلا لأزمة مضيق هرمز العالمية لا تصورا لتحسين مدرسة.
لكن الحقيقة، كعادتها، أكبر من نصفها.
فإذا كان الناقد مطالبا بأن يأتي بالأوفى، فإن المسؤول مطالب أيضا بأن يفتح الباب لمن يحمل رأيا أو اقتراحا أو حتى شكوى.
ولست أقول ذلك من موقع المتفرج ،فأنا واحد من أولئك المعلمين المقاطعيين الذين ما زالوا ينظرون إلى ملف التحويل كما ينظر الطبيب إلى مريض ميؤوس منه ، ونتهيأ له كل مرة، ثم نعود إلى مقاعد الانتظار.
ومع ذلك، لا أستطيع أن أنضم إلى مدرسة الإنكار التي ترى أن شيئا لم يتحقق في القطاع ،فالحق أحق أن يقال.
هناك ورشات فتحت، وجهود بذلت، ومسارات إصلاح تحركت على الأرض. وقد يختلف الناس في حجمها أو نتائجها، لكن إنكار وجودها لا يقل ظلما عن المبالغة في وصفها.
مشكلتنا في نقاشنا العمومي أننا نحب المعسكرات أكثر مما نحب الحقيقة.
فإذا اعترفت بوجود إنجاز، اتهمك البعض بالمداهنة.
وإذا طالبت بحق أو انتقدت تقصيرا، اتهمك آخرون بالجحود.
وكأن المواطن لا يحق له أن يجمع بين الأمرين معاً.
وكأن العقل ملزم دائما باختيار أحد المقاعد: مقعد المصفقين أو مقعد الساخطين.
أما مقعد المنصفين فما زال شاغرا في أغلب الأحيان.
إن الإصلاح ليس قصيدة تكتمل ببيت شعر، ولا منشورا يكتمل بعدد الإعجابات، ولا قرارا إداريا يحل كل المشكلات دفعة واحدة. إنه طريق طويل تتجاور فيه النجاحات مع النواقص، والإنجازات مع الملفات التي ما زالت تنتظر الحل.
ولهذا سأبقى متمسكا بشعرة معاوية:أعترف بالإنجاز حين أراه وأطالب بحقي حين يؤجل وأرفض النقد الذي لا يحمل بديلا..
وأرفض كذلك أن يتحول أي إنجاز إلى حصانة ضد النقد، فالتعليم لن يصلحه المصفقون وحدهم، كما لن يصلحه الغاضبون وحدهم.
أما أولئك الذين يقضون نهارهم في هدم كل شيء، ثم يغضبون حين يُسألون عن البديل، فهم يشبهون رجلا وقف أمام بيت يحترق، فأخذ يشرح للحاضرين أسباب الحريق ورداءة البناء وسوء التخطيط، حتى تحول المنزل إلى رماد، ثم اكتشف في النهاية أنه نسي إحضار دلو ماء.
وما أكثر دلاء الماء المفقودة في نقاشاتنا العامة.
لذلك، وبين السبورة والوزارة، وبين حق النقد وواجب الإنصاف، سأظل متمسكا بتلك الشعرة الرفيعة: لا أقطعها غضبا، ولا أمدها تملقا، لأن الحقيقة لا تسكن طرفا واحدا من الحبل، بل تعيش دائما في المنتصف.
بقلم | أحمد محمد فال أحمد محمد..
#تفاصيل