التحوالت التكنولوجية والثقافية في المنظومة االقتصادية والمجتمعية / محمد أحمد محمدي ديدي

ضرورية لتسهيل وتسريع تنمية البلاد
تشير العديد من الدراسات الاستشرافية والأحداث الجارية إلى أن القرن الحادي والعشرين سيتسم بتحولات جذرية ومتسارعة في مختلف المجالات (الأمنية والاقتصادية والصحية والمناخية). وقد عاش العالم خلال السنوات الأخيرة، منذ سنة 2020، تداعيات جائحة كوفيد-19 التي خلفت أضراراً بشرية جسيمة، إلى جانب الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة التي أدت إلى صدمات نفطية وغازية خلال أقل من أربع سنوات، وما نتج عنها من اضطرابات كبرى في الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد والإمداد.
وأمام هذه المخاطر العالمية المتكررة، أطلق رئيس الجمهورية، فخامة السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، برنامجاً حكومياً يقوم على استثمارات ضخمة لتطوير البنى التحتية وتعزيز القدرات الإنتاجية للبلاد، وقد بدأت نتائج هذه الجهود تظهر بالفعل في عدد من القطاعات الحيوية. ويرشح هذا التوجه العمومي لتصاعداً متواصلاً يهدف إلى تحفيز ديناميكية اقتصادية قادرة على خلق دائرة إيجابية من الاستثمار والنمو المستدام والشامل، وإرساء أسس الصمود الوطني والتنمية الذاتية والتماسك الاجتماعي.
غير أن نجاح هذه الرؤية الاستراتيجية وازدهارها سيعتمدان أساساً على قدرة منظومتنا الاقتصادية والمجتمعية على إنجاز التحولات التكنولوجية والثقافية اللازمة لخلق بيئة تساهم في تسهيل وتسريع التنمية.
إن هذا التحول المزدوج يمثل تحدياً محورياً للبلاد، إذ بات من المؤكد أن تقدم الأمم لا يُعد مسؤولية مؤسسات الدولة وحدها، ولا قضية قطار ينتظرون مواطنين قدومه لتأكيد وصوله في الوقت المحدد او عدم ذألك. بل يجب النظر إليه باعتباره ثمرة عملية شاملة ومتعددة الأبعاد ومترابطة، تشمل المجتمع بأكمله، وتتطلب تضافر الجهود بحيث يشعر كل فاعلا، مهما كان موقعه أو وضعه، بمسؤوليته في امتلاك الإرادة والوسائل اللازمة للعمل بجدية وفعالية، والمساهمة بنصيبه من الجهد، مهما كان متواضعاً، لدفع سفينة الوطن في الاتجاه الصحيح وقيادتها نحو بر الأمان.
ومن هذا المنطلق، ينبغي لجميع الأجهزة الإدارية والإنتاجية، وكافة الهيئات العامة والخاصة، أن تضطلع بدور فاعل في التنمية من خلال الاستثمار المكثف في رأس المال البشري والبحث العلمي، والعمل على تحديث أساليب العمل وتحسين العمليات، عبر تبني أدوات الإدارة الرشيقة (Lean Management) وتحقيق التميز التشغيلي (L'excellence opérationnelle)، والاستفادة من مختلف وسائل التحول التكنولوجي والرقمي التي تشكل روافع وفرصاً هائلة لتعزيز الأداء وتسريع الإنجاز في جميع المجالات.
كما أن المجتمع مدعو بدوره إلى مراجعة الذات وتغيير العقليات، من خلال إعطاء أهمية أكبر للعمل والانضباط والاستحقاق، واعتماد أنماط استهلاك أكثر ترشيداً ومسؤولية، وترسيخ لدى الشباب قيم المواطنة, والانخراط المجتمعي و كذا قيم التضامن والمساوات، وهي القيم التي ترتقي بالمجتمع و تعزز وحدته وتماسكه، وتساهم في القضاء على السلوكيات التي تضر بالمصلحة العامة وبالتقدم الفردي والجماعي وبالانسجام الاجتماعي.
ومن جهة أخرى، يستطيع كل فرد، من خلال تجربته المهنية والاجتماعية، ومن خلال نظرته إلى العالم والأعمال التي ينجزها يومياً والقيم التي يدافع عنها، أن يؤدي دوراً إيجابياً في هذه العملية، سواء بمشاركة فكرة أو رؤية بناءة، أو بإظهار طريق جديد، أو باقتراح أسلوب مختلف للعمل.
إنه عبر هذا المسار العميق من التحول التكنولوجي والثقافي والسلكي، ومن خلال انخراط جماعي صادق ومركز على ما يخدم المصلحة الوطنية والمجتمعية، سنتمكن من مساعدة وطننا على تطوير اقتصاده ومؤسساته، ومواجهة التقلبات العالمية، والالتحاق سريعاً بركب الدول القوية القادرة على التحكم في مصيرها، وضمان الرفاه الجماعي وتأمين مستقبل الأجيال القادمة.
نسأل الله تعالى أن يوفق خطانا، ويحفظ وطننا، ويمده بالقوة والموارد اللازمة لتحقيق طموحات قيادته وآمال شعبه.
محمد أحمد محمدي ديدي
استشاري مستقل