#رأي_حر | كتب الصحفي سيدي ولد النمين: لقاء الرئيس.. تسع ساعات أعادت رسم المسفات..
***
في تاريخ الشعوب محطاتٌ صامتة لا تقرع الأجراس حين تصل، ولا ترفع الرايات لتعلن عن نفسها، لكنها تحمل في داخلها بذور تحولات عميقة قد لا ينتبه إليها إلا من امتلك بصيرة قراءة الزمن السياسي. فليست كل المنعطفات تصنعها الثورات الصاخبة، ولا كل التحولات تأتي على وقع الصدام؛ أحياناً يبدأ التغيير الحقيقي حين تتبدل قواعد العلاقة بين المختلفين، وحين ينتقل الوطن من منطق المتاريس إلى منطق الطاولة الواحدة.
ولعل مأساة بعض النخب عبر التاريخ أنها لم تخسر الفرص لأنها كانت غائبة، بل لأنها حضرت إليها محمّلة بأدوات زمن انتهى، تقرأ اللحظة الجديدة بعين الذاكرة القديمة، وتبحث عن معارك الأمس داخل خرائط الغد.
ذلك هو السؤال الذي تطرحه اللحظة السياسية الموريتانية اليوم: هل نحن أمام فرصة لا يعرف أصحابها قيمتها؟ وهل يستطيع الفاعل السياسي أن يتحرر من إرث طويل صنعت فيه الخصومة أكثر مما صنع فيه الاختلاف؟
لقد عرفت بلادنا مراحل كان فيها الجدار بين السلطة والمعارضة أعلى من قدرة السياسة على تجاوزه؛ زمن كانت فيه المسافات تقاس بالشكوك، وكان الخلاف في الرأي يُلبس أحياناً ثوب الخصومة مع الوطن، حتى تشكلت ذاكرة سياسية مثقلة بالحذر وانعدام الثقة.
لكن المشهد الذي تابعناه مؤخراً يقدم صورة مختلفة تستحق القراءة بعيداً عن الانفعال والتموقع.
فرئيس الجمهورية الذي جلس لساعات طويلة أمام قادة معارضته لم يكن يدير جلسة بروتوكولية عابرة، ولا لقاء علاقات عامة لالتقاط الصور، بل كان يبعث برسالة سياسية أعمق: أن الدولة تتسع للنقد، وأن الاختلاف لا يلغي الشراكة، وأن من يعارض السياسات ليس خصماً للوطن وإنما طرف في البحث عن الطريق الأفضل إليه.
والأهم مما قيل في ذلك اللقاء هو ما كشفته تفاصيله: رئيس حاضر في الملفات، مستوعب لتعقيداتها، يتنقل بين الأرقام والوقائع، بين الاقتصاد والسياسة، وبين التحديات الداخلية والعواصف المحيطة بالمنطقة؛ في صورة تناقض كثيراً من الروايات التي حاولت رسم رئيس بعيد عن التفاصيل أو معزول عن حركة الأحداث.
هنا يصبح الامتحان الحقيقي أمام الجميع: فالسلطة حين تفتح أبواب الحوار تكون قد أدت نصف المهمة، أما النصف الآخر فيبقى مسؤولية طبقة سياسية مطالبة بأن تثبت أنها لا تبحث فقط عن مساحة للكلام، بل عن فرصة للتأثير والبناء.
#تفاصيل
#موريتانيا