بعد التوقع عليها.. قراءة في وثائق الحوار الوطني

وقعت الأطراف المشاركة في التحضير للحوار الوطني، مساء اليوم الثلاثاء في نواكشوط، الوثيقة المرجعية لتنظيم الحوار، في مراسم استمرت عملية التوقيع خلالها لأكثر من نصف ساعة، لتنهي بذلك مرحلة من الخلاف حول الإطار المنظم للمسار المرتقب.

ووقع الوثيقة عن قطب الأغلبية رئيس حزب الإنصاف محمد بلال مسعود، وعن أقطاب المعارضة رئيس حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية «تواصل» حمادي ولد سيدي المختار، ورئيس حزب اتحاد قوى التقدم محمد ولد مولود، فيما وقعها عن تكتل القوى الديمقراطية نائب رئيسه إبراهيم ولد ابيهي.

وتكشف قراءة وثيقتي «الدليل العملي لتنظيم الحوار الوطني» و«خارطة الطريق لإدارة الحوار الوطني» ملامح المرحلة المقبلة من المسار؛ إذ يقدم الدليل تصورا تنفيذيا لهيئات الحوار وموضوعاته وآليات إدارة النقاش، فيما تعرض خارطة الطريق خلفيته السياسية وحصيلة المقترحات المقدمة خلال المشاورات التمهيدية.

🔹الدليل العملي.. شهر من الحوار و19 ورشة

يضع «الدليل العملي لتنظيم الحوار الوطني» تصورا تفصيليا لسير العملية، ويقسم النقاشات إلى أربعة محاور رئيسية تتفرع عنها 19 ورشة متخصصة، تشمل النموذج الديمقراطي، والحوكمة، والوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والإدماج والتمكين والوقاية من المخاطر والتهديدات.

ويبرز النموذج الديمقراطي في مقدمة الشق السياسي من الحوار، إذ تخصص له أربع ورشات تتناول تقييم النموذج القائم والإصلاحات المقترحة لتطويره، والمؤسسات الوطنية وآليات عملها، والأحزاب السياسية من حيث الإطار القانوني والتمويل والحكامة الداخلية، إضافة إلى الانتخابات وشفافيتها والمدونة الانتخابية وآليات الرقابة والنزاعات المرتبطة بها.

🔹 «المأموريات» تغيب عن القائمة النهائية

ومن أبرز ما يظهر في الدليل أن قائمة الموضوعات والورشات لا تتضمن بندا مستقلا بعنوان «المدد والمأموريات»، وهي العبارة التي شكلت إحدى أبرز نقاط الخلاف بين المعارضة والموالاة خلال المرحلة التحضيرية.

وفي المقابل، أبقت الوثيقة باب النقاش مفتوحا حول النموذج الديمقراطي والمؤسسات الوطنية والإصلاحات المقترحة لتطويرها، دون إدراج «المأموريات» صراحة ضمن عناوين الورشات.

وتشير هذه الصيغة إلى تجاوز الخلاف حول العبارة نفسها، مع الإبقاء على إطار أوسع لمناقشة النظام الديمقراطي والمؤسسات والإصلاحات المقترحة.

🔹 20 عضوا للإشراف على الحوار

يقترح الدليل إنشاء هيئة للإشراف على الحوار الوطني من 20 عضوا، تضم سبعة ممثلين عن أحزاب الأغلبية، وسبعة عن أحزاب المعارضة، وثلاثة عن منظمات المجتمع المدني، وثلاث شخصيات وطنية مستقلة.

ويعين رئيس الجمهورية رئيس الهيئة بعد التشاور مع الأطراف المشاركة، على أن يكون له نائبان؛ أحدهما من الأغلبية والآخر من المعارضة.

وتتولى الهيئة تحديد معايير المشاركة وأعداد المشاركين، ودراسة طلبات المشاركة، واعتماد المسيرين والمسهلين والمقررين والخبراء، إضافة إلى الإشراف على الورشات والتحكيم في حالات الخلاف أو التعثر.

وتعمل الهيئة من خلال ست لجان؛ أربع مرتبطة بالمحاور الموضوعية، ولجنتين للاتصال والإعلام ومتابعة تنفيذ مخرجات الحوار.

🔹 التوافق قاعدة لحسم القضايا الخلافية

يجعل الدليل من التوافق القاعدة الأساسية لإدارة الحوار واعتماد نتائجه، ويصفه بأنه «القاعدة الذهبية» التي يفترض الالتزام بها في مختلف مراحل العملية.

ولا تتضمن الآليات المعروضة قاعدة للتصويت بالأغلبية لحسم القضايا الخلافية، بل تعتمد على تقريب وجهات النظر وبناء التوافق، مع وجود مسهلين للتدخل عند الخلاف، وهيئة إشراف تتولى التحكيم في حالات التعثر.

وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الملفات السياسية المطروحة، إذ تجعل الوصول إلى مخرجات نهائية مرتبطا بقدرة الأغلبية والمعارضة وبقية الأطراف على بناء توافقات حول القضايا محل الخلاف.

🔹 الأحزاب والمرشحون السابقون ضمن المقترحين للمشاركة

تشمل المقترحات المتعلقة بالمشاركة الأحزاب السياسية المعترف بها، والأحزاب قيد الاعتراف، والمرشحين السابقين للانتخابات الرئاسية، إلى جانب ممثلي المجتمع المدني والشبكات النسائية والشبابية، والشخصيات الوطنية المستقلة، وممثلي الجاليات الموريتانية في الخارج.

ويترك الدليل العملي لهيئة الإشراف صلاحية تحديد معايير المشاركة والأعداد النهائية في كل ورشة.

🔹 شهر للنقاش ينتهي بـ«إعلان وطني للتوافق»

يقدر الدليل مدة أعمال الحوار بنحو شهر واحد، على أن تعقد الجلسات أربعة أيام أسبوعيا، من الاثنين إلى الخميس، فيما تخصص الفترات المسائية للتشاور الداخلي بين الأطراف والتحضير لجلسات اليوم التالي.

وبعد انتهاء أعمال الورشات، تعقد جلسات وطنية ختامية لاعتماد المخرجات والتوقيع على «الإعلان الوطني للتوافق»، مع إنشاء آلية لمتابعة تنفيذ التوصيات.

وتشمل الضمانات المقترحة التزاما رسميا وعلنيا من رئيس الجمهورية بتنفيذ توصيات الحوار، ومصادقة المشاركين على المخرجات باعتبارها التزامات مشتركة، إلى جانب وضع آلية توافقية لمتابعة التنفيذ.

🔹ملفات أخرى على طاولة الحوار

إلى جانب الشق السياسي، تشمل موضوعات الحوار ملفات الحوكمة ومكافحة الفساد وسوء التسيير، وجودة الخدمات العمومية، والرق ومخلفاته، والإرث الإنساني، والتفاوت والتمييز، والتنوع الثقافي واللغات الوطنية، وتمكين المرأة والشباب والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، والهجرة والأمن والتطرف، ودور المجتمع المدني والنقابات والجاليات في الخارج.

🔹خارطة الطريق.. لماذا الحوار الآن؟

إذا كان الدليل العملي يحدد كيف سينظم الحوار، فإن «خارطة الطريق لإدارة الحوار الوطني» تقدم الخلفية السياسية للمسار وحصيلة المشاورات التي سبقته.

وترى الوثيقة أن البلاد، رغم ما تتمتع به من استقرار مؤسسي، تواجه خلافات تتعلق بقواعد اللعبة السياسية وقضايا التعايش الاجتماعي، إلى جانب الطعن أحيانا في نتائج الانتخابات، معتبرة أن استمرار هذه الخلافات يغذي حالة من الاستقطاب السياسي والاجتماعي.

وتعتبر خارطة الطريق أن ابتعاد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة يوفر ظرفا مناسبا لمناقشة الإصلاحات بعيدا عن الضغط والحسابات الانتخابية المباشرة، مشيرة إلى أن الفترة المتبقية قبل الانتخابات المقبلة تتيح وقتا لتعميق النقاش والتوصل إلى تفاهمات بشأن قواعد المنافسة السياسية.

🔹ليس بديلا عن المؤسسات ولا محاكمة للماضي

تؤكد خارطة الطريق أن الحوار ليس «مؤتمرا وطنيا فوضويا لمحاكمة أخطاء الماضي»، ولا يستهدف التوصل إلى اتفاق شامل حول جميع السياسات الوطنية والقطاعية.

كما تشدد على أنه ليس بديلا عن المؤسسات القائمة، وأن الصلاحيات الدستورية للسلطة التنفيذية تظل مصونة، فيما يقدم الحوار باعتباره أداة مكملة لمعالجة القضايا التي تؤثر في التماسك الوطني ومسار المنافسة السياسية.

🔹 تقارب بين مقترحات الأغلبية والمعارضة

وتشير خارطة الطريق إلى أن تحليل الردود المقدمة خلال المشاورات التمهيدية أظهر وجود تقارب بين الموضوعات التي اقترحتها أحزاب الأغلبية والمعارضة، خصوصا بشأن الإطار الديمقراطي والانتخابي، والحكامة، ومكافحة الفساد، وسيادة القانون، والإفلات من العقاب، والوحدة الوطنية.

وتظهر مقارنة الوثيقتين أن خارطة الطريق قدمت إطارا واسعا للمقترحات التي طرحتها الأطراف، قبل أن يعيد الدليل العملي تنظيمها في أربعة محاور و19 ورشة.

وبعد توقيع الوثيقة المرجعية، ينتقل مسار الحوار إلى مرحلة أكثر عملية، في انتظار تشكيل هيئة الإشراف، وتحديد المشاركين، واعتماد المسيرين والمقررين، والإعلان عن موعد الانطلاق الرسمي.

وسيظل الاختبار الأبرز في قدرة الأطراف على تطبيق قاعدة التوافق في الملفات السياسية الأكثر حساسية، ثم تحويل ما يتم الاتفاق عليه إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.