نائب الأمين العام لـ «العدالة والتنمية» المغربي: لو عُيّنت وزيرا فلن أصافح أي مسؤول إسرائيلي

جدد حزب «العدالة والتنمية» المعارض في المغرب رفضه التطبيع مع الكيان الصهيوني، ووصف المسؤولين الإسرائيليين الحاليين بكونهم «مجرمي حرب»، لكون أيديهم ملطخة بدماء الفلسطينيين الأبرياء في غزة.
جاء ذلك على لسان إدريس الأزمي الإدريسي، نائب الأمين العام للحزب الإسلامي، الذي أقسم قائلاً: «والله العظيم، لو عيّنت وزيرا في أي حكومة مقبلة، وأنا في موقع مسؤولية، فلن أصافح ولن أستقبل أي مسؤول أو وزير من الكيان الصهيوني».
وكانت تلك اللحظة الأكثر إثارة خلال استضافته من طرف «مؤسسة الفقيه التطواني» في مدينة سلا، مساء الإثنين، في لقاء سياسي وصف بـ «الساخن»، خاصة عندما «انتفض» القيادي المذكور في وجه سؤال عن ملف العلاقات مع إسرائيل، معلنا معارضته للتطبيع، حيث وصف المسؤولين الإسرائيليين بـ «مجرمي حرب» تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء في غزة، مؤكدا أنه لو كان يملك السلطة التنفيذية، لسعى إلى اعتقال هؤلاء المسؤولين فور دخولهم الأراضي المغربية.
ويرى مراقبون أن قسم القيادي الإسلامي محاولة لتبرئة حزبه من توقيع سعد الدين العثماني (رئيس الحكومة السابق والأمين العام الأسبق للحزب)، في كانون الأول/ديسمبر 2020، على الاتفاق الثلاثي الذي بمقتضاه عادت العلاقات بين المغرب وإسرائيل، كما اعتبروه محاولة لرفع يد الحزب من إرث تلك المرحلة التي كلفته غاليا على مستوى شعبيته.
وبالنسبة لبعض المحللين، فإن حدة خطاب الأزمي تعكس استراتيجية الحزب الجديدة لاستعادة قاعدته من الناخبين الذين يشكل ملف فلسطين لديهم عقيدة سياسية، ما يجعل من هذا الموقف «فيتو» مسبقا يضع شروطا أساسية على أي تحالفات حكومية مستقبلية لا تفرض مراجعة اتفاقات التطبيع.

دعا إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين

اللقاء السياسي الذي نظمته مؤسسة الفقيه التطواني، يدخل في إطار حلقة جديدة من برنامج «أسئلة المرحلة»، لم يكن مجرد استعراض حزبي عادي، بل تحول إلى ما يشبه محاكمة مفتوحة للأداء الحكومي، كما اغتنم الضيف المناسبة للحديث عن حزبه وتموقعاته قبل أشهر من الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
وأوضح إدريس الأزمي الإدريسي، إنه يجب التمييز بين حكومتين قادهما الحزب، الأولى برئاسة عبد الإله بن كيران، واعتبرها كانت قوية، والأخرى برئاسة سعد الدين العثماني، التي قال عنها الأزمي «إنها لم تكن حكومتنا».
وأشار إلى أن حزبه فاز في انتخابات سنة 2016، غير أنه بعد تعيين ابن كيران واجه ما عُرف بـ «البلوكاج»، أي العرقلة، ليتم لاحقًا تعيين سعد الدين العثماني. وأضاف أن عزيز أخنوش كان، حسب تعبيره، المتحكم في تلك الحكومة.
وأشار الأزمي إلى أنه كان يشغل منصب رئيس فريق حزبه في مجلس النواب خلال تلك المرحلة، وكان يرى أن الحكومة لا تعكس بالكامل اختيارات الحزب، ومع ذلك كان يتعين عليه دعمها من أجل ضمان استقرار المؤسسات. وأوضح أنه كان يدرك حجم «المعاناة الداخلية» التي صاحبت تلك المرحلة، مضيفًا أن المشاركة في الحكومة تفرض مسؤولية سياسية وأخلاقية أمام المواطنين، حتى في ظل وجود تباينات داخل الأغلبية.
ووظّف القيادي الإسلامي خبرته الاقتصادية، خاصة أنه كان وزيرًا سابقًا للميزانية في عهد حكومة ابن كيران، واستعمل لغة الأرقام لتحليل حصيلة حكومة عزيز أخنوش، منتقدا بقوة فرضيات النمو التي تضمنها قانون المالية (الموازنة العامة) لعام 2026، ولم يتردد في وصفها بـ «المفرطة في التفاؤل» والمنفصلة عن واقع الجفاف البنيوي الذي يضرب المغرب. كما حذر من مخاطر ما سماه «السيادة المالية»، مشيرا إلى أن المديونية في عهد هذه الحكومة بلغت مستويات قياسية لم تسجل في العقد الماضي، والأنكى من ذلك – حسب قوله – أنها «استدانة موجهة لتمويل الاستهلاك والتدبير اليومي بدلا من خلق الثروة وتطوير القطاعات الإنتاجية».
ولم يقف الأزمي عند هذا الحد، بل عاد إلى تهمة «تضارب المصالح» التي يلصقها حزبه بالحكومة، معتبرا أن الجمع بين السلطة والمال أدى إلى ارتباك في اتخاذ قرارات تحمي القدرة الشرائية للمواطنين، مستشهداً بملف المحروقات وغلاء المعيشة الذي حول الحكومة إلى مجرد متفرج على معاناة المواطنين. وأيضا واقعة «مباراة المحاماة» وما شابها من لغط حول المحسوبية.
وحمّل الأزمي الحكومة مسؤولية «إشعال فتيل الاحتقان» في قطاعي التعليم والصحة. وانصب انتقاده على وزير التربية الوطنية (التعليم)، متهما إياه بـ «الجلوس على القانون الإطار» وتجميده لصالح حسابات ضيقة، وتجاهل اللجنة الوطنية للإصلاح.
وفي موضوع آخر هو مدونة الأسرة (قانون الأحوال المدنية)، أكد الأزمي تمسك «العدالة والتنمية» بالمرجعية الإسلامية في تعديلها، مشددا على أن أي تغيير يجب أن ينبع من «الخصوصية المغربية» ويرفض «الإملاءات الخارجية». أما حقوقيا، فقد دعا القيادي الإسلامي إلى «انفراج شامل» وإطلاق سراح بعض المعتقلين السياسيين والصحافيين، معتبرا أن انتخابات 2026 تحتاج إلى «منافسة شريفة في جو من الحرية» لضمان مشاركة المواطنين وقطع الطريق على العزوف الذي لا يخدم سوى «سماسرة الانتخابات».
على الصعيد الحزبي الداخلي ومستقبل «العدالة والتنمية» وخلافة بن كيران، فاجأ الأزمي محاوريه والمتابعين بإعلان استعداده لتحمل مسؤولية الأمانة العامة للحزب في المرحلة المقبلة إذا قرر المؤتمر ذلك. وفي هذا السياق، نفى وجود أي انغلاق قيادي، مؤكدا أن طموح الحزب في 2026 هو العودة إلى المراكز الأولى، أو ما يسمى بـ «المربع الذهبي» في صدارة المشهد السياسي.
ولم يتوان الأزمي في التعبير عن خيبة أمله من حزب «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، متهما إياه بـ «التخاذل» في معارضة الحكومة خلال محطات رئيسية مثل «ملتمس الرقابة». أما في رده على سؤال: «مع من سيتحالف البيجيدي في 2026؟» فجاء جوابه منفتحا، إذ أكد عدم استبعاد التحالف مع أي قوة سياسية تحترم «السيادة الشعبية» وتضع «محاربة الفساد» أولوية، مستثنيا بشكل ضمني الأطراف التي وصفها بـ «رموز الفساد المالي».
ويرى مراقبون أن حوار الأزمي، الذي ختمه بالدعوة إلى ما سماها «رجة سياسية» تعيد الاعتبار للمؤسسات، يمثل كشفا فعليا لأهم ملامح الحملة الانتخابية لحزب «العدالة والتنمية»، وفي مقدمتها المكاشفة الصادمة والاستقطاب الحاد، ما ينبئ بموسم سياسي محتدم جدا في المغرب مع اقتراب موعد الانتخابات في أيلول/سبتمبر من هذا العام.