يؤسّس كتاب "حرب المضيق: سيناريوهات صراع بين إسبانيا والمغرب" (دار كاتاراتا، مدريد، 2025) لرؤية مغايرة لمفهوم الحرب في السياق المعاصر، إذ لا تُقاس المواجهات بعدد الدبابات أو الصواريخ، وإنما بقدرة الدول على إدارة الصراعداخل المساحات الرمادية. ينطلق الباحث الإسباني أليخاندرو لوبيث كانوريا من فكرة مركزية مفادها أن الحرب كارثة إنسانية لا تظهر دائماً في صورتها الكلاسيكية، وأن فهمها يقتضي النظر إلى ما يتجاوز الأدوات العسكرية المباشرة، نحو الدبلوماسية، والتحالفات، والاقتصاد، والمؤسسات الدولية.
العلاقة بين إسبانيا والمغرب، وفقاً للكاتب، هي نموذج لصراع معقّد بين دولتين يفصل بينهما مضيق جغرافي ضيّق، وتربطهما في الوقت نفسه شبكة كثيفة من التاريخ الاستعماري، والتحالفات المتقلّبة، والنزاعات المؤجّلة، فهو يرى أن النخب الحاكمة في البلدين تمثّل رؤيتَين مختلفتَين للعالم، غالباً ما تتقاطع مصالحهما دون أن تلتقيا فعلياً، ما يخلق حالة دائمة من التوتر غير المعلن.
يحلّل الكتاب كيف تؤثّر النزاعات الترابية في صياغة السياسة الخارجية، ليس بوصفها ملفات سيادية فحسب، وإنما أدوات ضغط طويلة الأمد. فالصحراء الغربية، وسبتة ومليلة، والمياه المحيطة بجزر الكناري، تتحوّل في قراءة كانوريا إلى عناصر فاعلة في إدارة الصراع، إذ يجري توظيفها سياسياً وقانونياً وإعلامياً من دون الوصول إلى نقطة الانفجار.
يقدّم مفهوم الحرب الهجينة إطاراً لفهم العلاقة بين البلدين
يُبرز الكاتب تباين المقاربتَين الاستراتيجيتَين لكل من مدريد والرباط. ففي حين تستند إسبانيا إلى منظومة ليبرالية قائمة على الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، يوضح الكتاب أن المغرب اختار مساراً مختلفاً، قوامه استثمار خطاب إنهاء الاستعمار في أفريقيا، والاستفادة من التحوّلات الجيوسياسية في العالم العربي، إلى جانب التراجع التدريجي للنظام الدولي الأحادي القطبية. ويشير كانوريا إلى أن هذه العناصر مكّنت المغرب من تعزيز موقعه قوةً إقليمية تتجاوز وزنه الاقتصادي التقليدي.
ضمن هذا السياق، يقدّم الكتاب مفهوم الحرب الهجينة بوصفه إطاراً تفسيرياً أساسياً لفهم العلاقة بين البلدَين. فالصراع، وفقاً للكاتب، يجري بعيداً عن أنظار الرأي العام، عبر أدوات غير عسكرية تشمل الضغط الدبلوماسي، وإدارة ملفات الهجرة، وتوظيف المؤسسات الدولية، والتحكم في تدفّق المعلومات، وبناء شبكات مصالح اقتصادية عابرة للحدود. ويؤكد أن هذا النمط من المواجهة يُخفي آليات إدارة العداء، ويجعل من الصعب على المجتمعات إدراك حجم التوتر القائم فعلياً.
يطرح الكتاب في صفحاته سيناريوهات مقلقة من دون أن ينزلق إلى التهويل. ماذا يمكن أن يحدث في حال اندلاع صراع مباشر؟ إلى أي مدى يمكن للتحالفات الأوروبية والأطلسية أن تصمد أمام اختبار فعلي في جنوب المتوسط؟ وهل التفوّق العسكري الإسباني، كما يُقدَّم في الخطاب السائد، يعكس حقيقة ميزان القوى في حال تغيّرت طبيعة المواجهة؟
يربط كانوريا هذه التساؤلات بنقاش أوسع حول مصداقية الردع الجماعي، مشيراً إلى أن الحماية الأطلسية لبعض الأقاليم الإسبانية الجنوبية لا تحظى بالوضوح الذي يُفترض. ويستند في ذلك إلى شهادات من داخل حلف الناتو، تفيد بوجود غموض متعمّد بشأن شمول سبتة ومليلية بالمظلّة الدفاعية، تفادياً لإحداث توترات سياسية مع المغرب.
بهذا المعنى، يشكّل الكتاب مساهمة أساسية في فهم العلاقة الإسبانية–المغربية، وفي تفكيك الأسس غير المعلنة التي تقوم عليها سياسات الأمن والتحالفات في غرب المتوسط، مقدّماً مادة تحليلية تضع القارئ أمام أسئلة يصعب تجاهلها حول السيادة، والحماية، وحدود الالتزام الدولي.