العمران والعقارات في موريتانيا: نحو مدن أكثر صموداً في مواجهة التغير المناخي / سيد المختار كواد

تُمثل المساهمة المحددة وطنياً الثالثة لموريتانيا (CDN3.0 2025-2035) وثيقة استراتيجية محورية في السياسة البيئية والمناخية للبلاد، تعكس التزاماً متزايداً بالاتفاقيات الدولية، ولا سيما اتفاق باريس للمناخ (المادة 4) الذي يُلزم الدول الأطراف بتحديث مساهماتها الوطنية بشكل دوري ورفع مستوى الطموح بشكل تدريجي ومتواصل مع كل تحديث للمساهمات الوطنية، وكذلك الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ (المادة 4) التي تؤسس لالتزامات الدول في مجالات التخفيف والتكيف والإسهام. وقد جاءت هذه الوثيقة، التي أعدتها وزارة البيئة والتنمية المستدامة بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (PNUD) وشركاء دوليين، لتؤسس لرؤية تنموية جديدة تقوم على التوازن بين النمو الاقتصادي ومتطلبات التكيف مع آثار التغير المناخي في بلد يعد من أكثر دول الساحل هشاشة أمام الجفاف والتصحر وارتفاع درجات الحرارة.

وتؤكد CDN3.0 على طموح مزدوج يتمثل في التخفيف من انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة تصل إلى 75.8% بحلول عام 2035 مقارنة بسيناريو الأعمال المعتادة، إلى جانب تعزيز قدرة القطاعات الحيوية والسكان والأقاليم على التكيف مع المخاطر المناخية. ويبرز في هذا السياق أن قطاع الطاقة، إلى جانب الزراعة والتنمية الحيوانية واستخدامات الأراضي، تشكل محاور رئيسية لجهود التخفيف، من خلال التوجه نحو الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتحسين النظم الزراعية، ومشاريع التشجير وإعادة تأهيل الغطاء النباتي. كما أولت الوثيقة اهتماماً خاصاً لقطاعات التكيف عبر 85 إجراءً تغطي مجالات متعددة، من بينها التعليم، والصحة، والمياه، والأمن الغذائي، والهجرة المناخية، إضافة إلى الإسكان والعمران وتهيئة المجال الترابي.
انطلاقاً من هذا الإطار الاستراتيجي، يكتسي قطاعي الإسكان والعمران والعقارات أهمية خاصة، باعتبارهما أهم مجالات ترجمة الطموح المناخي على المستوى الترابي. فالعمران لم يعد مجرد توسع عمراني أو إنتاج للبنايات، بل أصبح أداة لتقليل المخاطر البيئية وتحسين جودة الحياة، خاصة في المدن التي تعاني من هشاشة بنيوية وتوسع حضري سريع مثل نواكشوط.
فالعمران اليوم أصبح في قلب المعادلة المناخية؛ إذ تتقاطع فيه تحديات ارتفاع درجات الحرارة، والفيضانات، والضغط على الموارد، وضعف البنية التحتية في بعض الأحياء. ومن هنا، فإن التخطيط الحضري لم يعد وظيفة تقنية فحسب، بل تحول إلى أداة للحماية والتكيف وضمان استدامة التنمية.
وقد خصصت CDN3.0 ثمانية إجراءات رئيسية في مجال الإسكان والعمران وتهيئة المجال الترابي، تركز على تطوير مساكن ملائمة للمناخ، وتعزيز التخطيط الحضري المستدام، وتشجيع استخدام مواد البناء المحلية، وتوسيع المساحات الخضراء، وإدماج المعايير البيئية في مشاريع البناء. ويهدف ذلك إلى بناء نموذج حضري أكثر مرونة وقدرة على الصمود أمام المخاطر المناخية المتزايدة.
ويظل التحدي الأكبر مرتبطاً بإدارة المجال العقاري، باعتباره أداة استراتيجية في توجيه التوسع الحضري. فحسن تنظيم استعمالات الأراضي يحد من انتشار السكن العشوائي في المناطق الهشة، ويوجه النمو العمراني نحو مناطق أكثر أماناً واستدامة، وهو ما يجعل العقارات عنصراً مركزياً في سياسات التكيف المناخي وليس مجرد أصل اقتصادي.
كما أن خصوصية المدن الموريتانية، وخاصة نواكشوط، تبرز الحاجة إلى الانتقال من نموذج التوسع الأفقي السريع إلى نموذج التخطيط الذكي والمتوازن، القائم على تحسين استغلال المجال، وتطوير البنية التحتية، وضمان العدالة في الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تشكل الحلول المحلية في البناء جزءاً من الاستجابة، من خلال اعتماد العمارة الملائمة للبيئة الصحراوية، وتقنيات العزل الحراري، واستخدام مواد بناء أقل كلفة وأكثر انسجاماً مع المناخ، بما يساهم في رفع كفاءة الطاقة وتحسين ظروف العيش.
إن الاستثمار في العمران المستدام والعقارات المنظمة ليس عبئاً تنموياً إضافياً، بل هو رافعة اقتصادية واجتماعية وبيئية في آن واحد. فكلما كان المجال الحضري أكثر تنظيماً، والبنية التحتية أكثر صموداً، والإدارة العقارية أكثر حكامة، تقلصت خسائر المستقبل وارتفعت قدرة المدن على التكيف.

وفي النهاية، يتضح أن العقارات والعمران لم يعودا مجرد قطاعين تقنيين، بل أصبحا جزءاً من مشروع وطني شامل لإعادة تشكيل المجال وحماية الإنسان في مواجهة التغير المناخي. وفي زمن تتسارع فيه التحديات البيئية، لا تقاس قوة المدن بما تبنيه فقط، بل بقدرتها على الصمود والاستمرار.